أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تبيّن لنا عظيم الأجر والمنفعة التي نجنيها بتلاوة القرآن التي قصرّنا قيها وربما مرت بنا أيام وليالٍ لم نقرأ فيها آية ولم ننظر فيه في مصحف ولم نتفرغ فيها لإحياء قلوبنا بهذه الآيات .
هذه عائشة رضي الله عنها تروي عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة – أي الذي يحسن التلاوة ويجيدها تصحيحاً وترتيلاً مع السفرة الكرام البررة ، منزلته مع الملائكة الأطهار في منزلة عالية سمواً بإيمانه وارتفاعاً وقرباً لصلته بالله عز وجل ورفعة لمنزلته وتعظيماً لأجره - والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران ) .
الذي يُعاني مشقة في القراءة فهو لا يُجيدها ولا يُحسنها فليقبل على القراءة ؛ فإن الله عز وجل يُعظم له أجره ويكون له أجر المشقة وأجر التلاوة بإذن الله .
وفي حديث ابن مسعود : ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) .
فكم نُضيّع عندما نُقصّر في التلاوة من أجور وحسنات مضاعفة إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله ؟ وكم في كل آية من حرف ؟ وكم في كل سورة من حرف ؟ وكم في كل جزءٍ من حرف ؟ وكم في القرآن كله من حرف ؟ وكم في الحروف من حسنات ؟ وكم في الحسنات من مضاعفات ؟ وكم في هذا من فضل ونعيمٍ وأجر ومثوبة نحن في أمّس الحاجة إليها فضلاً عن ما يكون وراء ذلك من نفع القلوب والنفوس والعقول والسلوك .
وإذا تأملنا أيضاً ؛ فإننا واجدون في هدي وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضاً ما يربط بالقراءة في شأنٍ هو عند المرء المؤمن عظيم ٌ وأمر هو عنده من الأمور المهمة وهو أمر الآخرة .
جاء في حديث أبي أمامة عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ) .
وفي حديث عبد الله بن عمر عن المصطفى - عليه الصلاة والسلام - أنه قال :
( الصيام والقرآن يشفعان للمسلم ، يقول الصيام أظمأته في الهواجر ويقول القرآن أسهرته في الليالي وكلٌ يطلب الشفاعة فيُشفعان فيه ) والأحاديث كلها من الصحيحة .
وفي حديث أبي هريرة يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الباب من أعظم الأبواب التي يتنافس فيها المتنافسون ويتطلع إليها المتطلعون المتشوقون إلى الإقبال على الله ، وعلى نيل رضوانه وإلى تحصيل الأجر والثواب فهو عليه الصلاة والسلام يقول : ( لا حسد إلا في اثنتين رجلٌ علمه الله القرآن فهو يتلوه أناء الليل وأناء النهار فقال رجلٌ "أي آخر" لو أن الله أعطاني مثله لفعلت فعله والآخر رجلٌ أتاه الله مال فسلطه على الحق في هلكته ) .
هكذا يبيّن لنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن الأمنيات تتعلق بهذه التلاوة والقراءة والصلة بالقرآن الكريم ، وأن ميدان التنافس والحسد المحمود وهو الغبطة إنما يكون في هذا ولم تكن النفوس تتطلع ولا الأعناق تشرأب إلى الأموال وكثرتها ولا إلى الجاه وعظمته ولا إلى السلطان وقوته وسطوته وإنما إلى القرآن وتلاوته وأجره ومثوبته وفتحه وتأثيره في القلوب والنفوس وهذا الذي ينبغي أن نتنبه له .
وأما الأثر بعد الأجر فما أدراك ما هذا الأثر أثرٌ لا يقتصر على الإنسان المسلم المؤمن بل يتعداه حتى إلى الكافر بل يتجاوز الإنس إلى الجن بل يتجاوز عالم الأحياء إلى عالم الجمادات تأمل ما جاء في كتاب الله لبيان هذه الحقيقة في شأن أهل الكفر قال الله جل وعلا : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } .
قال ابن كثير : " أي إذا تُليّ لا تسمعوه " .
ورُوي عن مجاهد أنه قال :" ألغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق " ، ولماذا كانوا يصنعون ذلك ؟ لماذا كانوا يتبعون النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا قرأ القرآن صفروا وصفقوا وخلطوا أو جاء قائلهم يروي القصص ؟ لأنهم كانوا يخشون الأثر الذي يتوجه إلى القلوب والنفوس فيغيّرها ، ومن هنا كانوا يعرفون أنهم لو تركوا القرآن يُتلى حتى دون تفسير وحتى دون تعريفٍ بالمعاني ؛ فإنه له تأثيره الذي لا يُنكر مطلقاً .
بل قد وقع هذا في هذا العصر بتجارب مخبرية معملية طبية أن القرآن قد وُجد له تأثير في كافر لا يعرف اللغة العربية .. وُجِدَ أنه عند قياس كهربية جسمه واضطرابه وتوتره أنه عند سماع القرآن يحصل له نوع تغير فيه نوع سكينة وهدوء وطمأنينة ، وهو كافر غير مسلم وهو لا يعرف العربية ، وهو لا يعرف ما الذي يُتلى عليه حتى نقول إنه تأثر به .
وهذا الوليد - وهو أحد أعلام الكفر في الجاهلية وأحد صناديد قريش وأحد بلغاء العرب وفصحائهم - عندما تُلي عليه القرآن قال للنبي - عليه الصلاة والسلام - : أعد عليّ ، فأعاد ثم قال : " والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وإنه يعلو ولا يُعلى عليه وما هذا بقول بشر " .
هكذا شهد الأعداء بأثر تلاوة القرآن ، ومثل الوليد كان يعرف المعاني وكان يُدرك الإعجاز وكان يلمس البيان والبلاغة التي يعرف مدى تأثيرها عند العرب .
وهذا القرآن أيضاً يقص علينا التأثير : { قل أوحي إليّ أنه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قراءناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نُشرك بربنا أحدا } .
حتى هذا العالم الذي لا نراه من الجن مخلوقات الله قد أقبلت واستمعت وأنصتت وتأثرت وءامنت وأسلمت .
بل انظر إلى ما هو أعظم من ذلك وأجلى .. { لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } .. { ولو أن قرآناً سُيرت به الجبال أو قُطعت به الأرض أو كُلم به الموتى } والتقدير لكان هذا القرآن هو الذي يُحدث مثل هذا الأثر ، فكيف لا تتأثر به قلوب ءامنت بربها ، وأسلمت لمولاها ، واتبعت رسولها ، ورضيت هذا الإسلام ديناً لها .. كيف لا يحصل هذا الأثر ؟ إننا قد انقطعنا عن التلاوة وانقطعنا عن الأسباب المؤدية لهذا التأثير فكيف حينئذٍ نشكو انعدام الأثر ونحن لم نبدأ بإيجاد المؤثر ؟ الذي يتأمل ينظر إلى هذا فيعرف ما ينبغي أن تكون عليه التلاوة .
وننتقل إلى الأدب وإلى الأداء الذي ينبغي أن يكون في تلاوة القرآن لندرك أننا بهذا نُحصّل بإذن الله - عز وجل - الأجر ويتحقق لنا الأثر .
فأول ذلك : الترتيل
قال عز وجل : { ورتل القرآن ترتيلا } .
وجاء القوم أرتالاً أي بعضهم إثر بعض أي شيئاً فشيئا .
وهذه أم سلمة نعتت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود وغيره نعتت قراءته أي وصفتها ، فنعتت قراءة مفسرة حرفاً حرفا .
أي أنه كان يتلو القرآن بتؤدة وتأني وترتيل ، حتى كأنك تسمع كل حرفٍ وحده وتميزه عن غيره.
وهذا أنس كما في البخاري سُئل رضي الله عنه عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :
( كان يمد مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم) .
فمدها رضي الله عنه وأرضاه ليبيّن كيفية قراءة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - .
وعندما ننظر أيضاً إلى ما اتفق عليه الشيخان من رواية ابن مسعود أن رجلٌ جاء فقال : قرأت المفصلة في ركعة ، فقال ابن مسعود : هذاً كهذ الشعر - أي سرعة وتتابع من غير ترتيل وحُسن تلاوة - هذاً كهذّ الشعر ، إن أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فيرسخ فيه نفعٌ .
فهذا هو الذي يُقصد به الترتيل يُقصد به التوقير والإجلال للقرآن وحصول فرصة التدبر والتأمل ومن بعد ذلك حصول فرصة التغير والتأثر بهذا القرآن .
ومن هنا قال ابن عباس كما ذكر النووي في التبيان قال : " لئن أقرأ سورة أُرتّل فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله " . أي من غير ترتيل وحُسن تلاوة .
وهذا ابن مسعود يروي عنه الأجوري في آداب حملة القرآن أنه قال : " لا تنثروه نثر الدقل - وهو رديء التمر- ولا تهذوه هذّ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة " .
إذا أردنا الأثر فلابد من اتباع الطريقة الصحيحة .
وأيضاً مع الترتيل التحسين ، وهو تزيين القرآن بالصوت الحسن والحرص على تحسين الصوت وتحسين الأداء مع هذا الترتيل .
قال النووي رحمه الله : " أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن " .
وفي هذا أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة عند الشيخين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( ما أذن الله لشيءٍ ما أذِن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به ) .
وفي حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأشعري أنه قال : ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) .
وثناءه على حُسن صوته دليل على استحبابه وعلى الترغيب فيه ، قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية مسلم :
( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك - جذب حُسن صوت أبي موسى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف يُنصت ويستمع - فقال أبو موسى : أما لو علمت أنك تسمعني لحبّرته لك تحبيراً ) . أي لبالغت في تحسينه وتجويده وتزيينه .
وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البراء عند الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( زيّنوا القرآن بأصواتكم ) .
مع التحرّز مما ليس مشروعاً من التغني الذي يخرج عن حد التلاوة وآدابها وضوابطها وقواعدها وغير ذلك .
هذه عائشة رضي الله عنها تروي عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة – أي الذي يحسن التلاوة ويجيدها تصحيحاً وترتيلاً مع السفرة الكرام البررة ، منزلته مع الملائكة الأطهار في منزلة عالية سمواً بإيمانه وارتفاعاً وقرباً لصلته بالله عز وجل ورفعة لمنزلته وتعظيماً لأجره - والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران ) .
الذي يُعاني مشقة في القراءة فهو لا يُجيدها ولا يُحسنها فليقبل على القراءة ؛ فإن الله عز وجل يُعظم له أجره ويكون له أجر المشقة وأجر التلاوة بإذن الله .
وفي حديث ابن مسعود : ( من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشرة أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ) .
فكم نُضيّع عندما نُقصّر في التلاوة من أجور وحسنات مضاعفة إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله ؟ وكم في كل آية من حرف ؟ وكم في كل سورة من حرف ؟ وكم في كل جزءٍ من حرف ؟ وكم في القرآن كله من حرف ؟ وكم في الحروف من حسنات ؟ وكم في الحسنات من مضاعفات ؟ وكم في هذا من فضل ونعيمٍ وأجر ومثوبة نحن في أمّس الحاجة إليها فضلاً عن ما يكون وراء ذلك من نفع القلوب والنفوس والعقول والسلوك .
وإذا تأملنا أيضاً ؛ فإننا واجدون في هدي وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضاً ما يربط بالقراءة في شأنٍ هو عند المرء المؤمن عظيم ٌ وأمر هو عنده من الأمور المهمة وهو أمر الآخرة .
جاء في حديث أبي أمامة عن رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ) .
وفي حديث عبد الله بن عمر عن المصطفى - عليه الصلاة والسلام - أنه قال :
( الصيام والقرآن يشفعان للمسلم ، يقول الصيام أظمأته في الهواجر ويقول القرآن أسهرته في الليالي وكلٌ يطلب الشفاعة فيُشفعان فيه ) والأحاديث كلها من الصحيحة .
وفي حديث أبي هريرة يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الباب من أعظم الأبواب التي يتنافس فيها المتنافسون ويتطلع إليها المتطلعون المتشوقون إلى الإقبال على الله ، وعلى نيل رضوانه وإلى تحصيل الأجر والثواب فهو عليه الصلاة والسلام يقول : ( لا حسد إلا في اثنتين رجلٌ علمه الله القرآن فهو يتلوه أناء الليل وأناء النهار فقال رجلٌ "أي آخر" لو أن الله أعطاني مثله لفعلت فعله والآخر رجلٌ أتاه الله مال فسلطه على الحق في هلكته ) .
هكذا يبيّن لنا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن الأمنيات تتعلق بهذه التلاوة والقراءة والصلة بالقرآن الكريم ، وأن ميدان التنافس والحسد المحمود وهو الغبطة إنما يكون في هذا ولم تكن النفوس تتطلع ولا الأعناق تشرأب إلى الأموال وكثرتها ولا إلى الجاه وعظمته ولا إلى السلطان وقوته وسطوته وإنما إلى القرآن وتلاوته وأجره ومثوبته وفتحه وتأثيره في القلوب والنفوس وهذا الذي ينبغي أن نتنبه له .
وأما الأثر بعد الأجر فما أدراك ما هذا الأثر أثرٌ لا يقتصر على الإنسان المسلم المؤمن بل يتعداه حتى إلى الكافر بل يتجاوز الإنس إلى الجن بل يتجاوز عالم الأحياء إلى عالم الجمادات تأمل ما جاء في كتاب الله لبيان هذه الحقيقة في شأن أهل الكفر قال الله جل وعلا : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } .
قال ابن كثير : " أي إذا تُليّ لا تسمعوه " .
ورُوي عن مجاهد أنه قال :" ألغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق " ، ولماذا كانوا يصنعون ذلك ؟ لماذا كانوا يتبعون النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا قرأ القرآن صفروا وصفقوا وخلطوا أو جاء قائلهم يروي القصص ؟ لأنهم كانوا يخشون الأثر الذي يتوجه إلى القلوب والنفوس فيغيّرها ، ومن هنا كانوا يعرفون أنهم لو تركوا القرآن يُتلى حتى دون تفسير وحتى دون تعريفٍ بالمعاني ؛ فإنه له تأثيره الذي لا يُنكر مطلقاً .
بل قد وقع هذا في هذا العصر بتجارب مخبرية معملية طبية أن القرآن قد وُجد له تأثير في كافر لا يعرف اللغة العربية .. وُجِدَ أنه عند قياس كهربية جسمه واضطرابه وتوتره أنه عند سماع القرآن يحصل له نوع تغير فيه نوع سكينة وهدوء وطمأنينة ، وهو كافر غير مسلم وهو لا يعرف العربية ، وهو لا يعرف ما الذي يُتلى عليه حتى نقول إنه تأثر به .
وهذا الوليد - وهو أحد أعلام الكفر في الجاهلية وأحد صناديد قريش وأحد بلغاء العرب وفصحائهم - عندما تُلي عليه القرآن قال للنبي - عليه الصلاة والسلام - : أعد عليّ ، فأعاد ثم قال : " والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر وإنه يعلو ولا يُعلى عليه وما هذا بقول بشر " .
هكذا شهد الأعداء بأثر تلاوة القرآن ، ومثل الوليد كان يعرف المعاني وكان يُدرك الإعجاز وكان يلمس البيان والبلاغة التي يعرف مدى تأثيرها عند العرب .
وهذا القرآن أيضاً يقص علينا التأثير : { قل أوحي إليّ أنه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنا سمعنا قراءناً عجباً * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نُشرك بربنا أحدا } .
حتى هذا العالم الذي لا نراه من الجن مخلوقات الله قد أقبلت واستمعت وأنصتت وتأثرت وءامنت وأسلمت .
بل انظر إلى ما هو أعظم من ذلك وأجلى .. { لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } .. { ولو أن قرآناً سُيرت به الجبال أو قُطعت به الأرض أو كُلم به الموتى } والتقدير لكان هذا القرآن هو الذي يُحدث مثل هذا الأثر ، فكيف لا تتأثر به قلوب ءامنت بربها ، وأسلمت لمولاها ، واتبعت رسولها ، ورضيت هذا الإسلام ديناً لها .. كيف لا يحصل هذا الأثر ؟ إننا قد انقطعنا عن التلاوة وانقطعنا عن الأسباب المؤدية لهذا التأثير فكيف حينئذٍ نشكو انعدام الأثر ونحن لم نبدأ بإيجاد المؤثر ؟ الذي يتأمل ينظر إلى هذا فيعرف ما ينبغي أن تكون عليه التلاوة .
وننتقل إلى الأدب وإلى الأداء الذي ينبغي أن يكون في تلاوة القرآن لندرك أننا بهذا نُحصّل بإذن الله - عز وجل - الأجر ويتحقق لنا الأثر .
فأول ذلك : الترتيل
قال عز وجل : { ورتل القرآن ترتيلا } .
وجاء القوم أرتالاً أي بعضهم إثر بعض أي شيئاً فشيئا .
وهذه أم سلمة نعتت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود وغيره نعتت قراءته أي وصفتها ، فنعتت قراءة مفسرة حرفاً حرفا .
أي أنه كان يتلو القرآن بتؤدة وتأني وترتيل ، حتى كأنك تسمع كل حرفٍ وحده وتميزه عن غيره.
وهذا أنس كما في البخاري سُئل رضي الله عنه عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :
( كان يمد مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم) .
فمدها رضي الله عنه وأرضاه ليبيّن كيفية قراءة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - .
وعندما ننظر أيضاً إلى ما اتفق عليه الشيخان من رواية ابن مسعود أن رجلٌ جاء فقال : قرأت المفصلة في ركعة ، فقال ابن مسعود : هذاً كهذ الشعر - أي سرعة وتتابع من غير ترتيل وحُسن تلاوة - هذاً كهذّ الشعر ، إن أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوز تراقيهم ، ولكن إذا وقع في القلب فيرسخ فيه نفعٌ .
فهذا هو الذي يُقصد به الترتيل يُقصد به التوقير والإجلال للقرآن وحصول فرصة التدبر والتأمل ومن بعد ذلك حصول فرصة التغير والتأثر بهذا القرآن .
ومن هنا قال ابن عباس كما ذكر النووي في التبيان قال : " لئن أقرأ سورة أُرتّل فيها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله " . أي من غير ترتيل وحُسن تلاوة .
وهذا ابن مسعود يروي عنه الأجوري في آداب حملة القرآن أنه قال : " لا تنثروه نثر الدقل - وهو رديء التمر- ولا تهذوه هذّ الشعر ، قفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة " .
إذا أردنا الأثر فلابد من اتباع الطريقة الصحيحة .
وأيضاً مع الترتيل التحسين ، وهو تزيين القرآن بالصوت الحسن والحرص على تحسين الصوت وتحسين الأداء مع هذا الترتيل .
قال النووي رحمه الله : " أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن " .
وفي هذا أحاديث كثيرة منها حديث أبي هريرة عند الشيخين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( ما أذن الله لشيءٍ ما أذِن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به ) .
وفي حديث النبي - عليه الصلاة والسلام - لأبي موسى الأشعري أنه قال : ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود ) .
وثناءه على حُسن صوته دليل على استحبابه وعلى الترغيب فيه ، قال عليه الصلاة والسلام كما في رواية مسلم :
( لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك - جذب حُسن صوت أبي موسى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف يُنصت ويستمع - فقال أبو موسى : أما لو علمت أنك تسمعني لحبّرته لك تحبيراً ) . أي لبالغت في تحسينه وتجويده وتزيينه .
وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البراء عند الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( زيّنوا القرآن بأصواتكم ) .
مع التحرّز مما ليس مشروعاً من التغني الذي يخرج عن حد التلاوة وآدابها وضوابطها وقواعدها وغير ذلك .
via منتديات اميرات العراق :: PRINCESSESIRAQFORUM :: http://ift.tt/1cYpbux





